Banner_1_1_1

مرض “اللقافة” مقال للدكتور مجاهد الشهري

img-20161118-wa0009

تُسمَّى هذه الصفة في مجتمعنا المَحلّي “اللقافة”، واسم الفاعل منها “ملقوف”.. وتعني ببساطة التطفُّل على الآخرين واقتحام خصوصياتهم والتدخُّل في شؤونهم دون إذن، وأيّاً كان اسمها في المجتمعات المختلفة، تظلّ “اللقافة” من أسوأ الصفات الاجتماعية تخلّفاً وأذًى، تجدها بكثرة عند بعض المجتمعات حسب درجة التخلف الاجتماعي، وتقلّ أو تنعدم عند المجتمعات المتحضّرة التي لا تقبل ثقافتها مثل هذه الصفة الرجعيّة.
ولا يخفى عليكم أنها صفة منبوذة أخلاقياً على المستوى الفردي وعلى المستوى الاجتماعي أيضاً، وقبل هذا وذاك فهي صفة مذمومة في ديننا الكريم، حيث صحّ عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم : ( مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَالا يَعْنِيهِ ). هذا الحديث هو إحدى الوصايا النبويّة العظيمة الجامعة للخير كله الذي بُنيَت عليه تعاليم الإسلام.
بل إن هذه الصفة الكريهة تخالف حقوق الإنسان والحريّة الشخصية التي وردت في المواثيق الدولية.
ولكم أن تتخيّلوا كمية الاستمتاع والأريحية التي يشعر بها مثل هذا الشخص “الملقوف” وهو يمارس هوايته المفضّلة في فرض نفسه للتدخل في شأن القريب والبعيد، غير مكترث بفداحة سلوكه أو ردّة فعل الآخر، فهولاء النوعية من البشر لديهم مناعة مكتسبة ضد كل إهانة محتملة قد تصدر عن الطرف المجني عليه، ذلك لأن هذا “الملقوف” في عقيدته النفسيّة يحب هذا الإحساس الوهمي الذي يغمره بالقوة والأفضلية وامتلاك الحقيقة أمام الآخر متوهّماً أنه بحاجة إلى حكمته ونصائحه، دون أي اعتبار لخصوصيته أو معرفة بوضعه أو احتياجاته.. هكذا وبكل صفاقة تجده يتلصّص ويراقب ويسأل ويستجوب حتى تسنح له الفرصة للتدخّل السافر بفعلٍ غالباً ما يكون اندفاعي ( كالفزعة ) أو نصيحةٍ تفقد قيمتها وإن كانت صادقة لأنها في غير موضعها !
وكم من “لقافةٍ” أفضت إلى مشكلة أو قطع علاقات أو خراب بيوت أو جنوحٍ عن الحق، وأنا هنا أستثني النصيحة التي تقع في موضعها كالنصيحة لحلّ مشكلة عامة قد تحصل بين الناس في العلن وغيرها كالنصيحة في الدين، وهذه الأمور لها أسلوبها وظروفها والأشخاص المؤهلين لها، وقد يتطلّب الأمر تدخّل الجهات ذات المسؤولية لحل الإشكال.
أعتقد شخصياً أن “اللقافة” مرض اجتماعي مُعْدٍ يجب مكافحته والتخلص منه، كما أعتقد أن هؤلاء “الملاقيف” يحتاجون دائماً إلى من يردعهم ويضيّق عليهم حتى يعودوا إلى رشادهم، لأنهم وببساطة لو تركوا الناس وشؤونهم واهتموا بأنفسهم ومشاكلهم لكان خيراً لهم ولغيرهم، وبتكاتفنا ورفضنا لهذه الصفة فردياً واجتماعياً سنجدها تتراجع ثم تختفي من مجتمعاتنا.
كفانا الله وإياكم شرّ “الملاقيف” !!

د. مجاهد الشهري – طبيب نفسي وكاتب

التعليقات (1) اضف تعليق

One thought on “مرض “اللقافة” مقال للدكتور مجاهد الشهري”

Comments are closed.

7ads6x98y